راديو مريم
في الحب يكون الانتصار: تأمل روحي في مريم العذراء ورسالة الرجاء في عالمٍ متألم

في الحب يكون الانتصار: تأمل روحي في مريم العذراء ورسالة الرجاء في عالمٍ متألم
بقلم سيادة المطران مار يوليان يعقوب مراد
رئيس أساقفة حمص وحماه والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك
في قلب الإيمان المسيحي، تقف مريم العذراء لا كشخصية تاريخية فقط، بل كعلامة خلاص، وكأمٍّ حاضرة في مسيرة الكنيسة، تشارك أبناءها الألم والرجاء معًا. وفي زمنٍ يزداد فيه الاضطراب، تأتي كلمة مارياتون راديو مريم:”في الحب يكون الانتصار”، كاختصار عميق لسرّ حياتها.
مريم: انتصار النعمة لا القوة
يبدأ انتصار مريم من لحظة البشارة: “هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ” (لوقا 1/38)
هذه ليست مجرد إجابة، بل دخول حرّ في منطق المحبة الإلهية، حيث لا تُهزم الإرادة البشرية، بل تُشفى بالطاعة. هنا يبدأ الانتصار الحقيقي: ليس سيطرة على الأحداث، بل تسليم كامل للحب الإلهي. يرى القديس إيريناوس أسقف ليون أن مريم هي “حوّاء الجديدة”، إذ يقول: “كما أن حواء الأولى، بعصيانها، ربطت العقدة، كذلك مريم بطاعتها، حلّت ما ربطته حواء”.
في هذا المنظور الآبائي، لا يكون الانتصار صراعًا، بل استعادةً للعلاقة المكسورة بين الإنسان والله عبر الطاعة المحبة.
مريم تحت الصليب: الحب الذي لا ينهزم
في إنجيل يوحنا، نقف أمام ذروة الألم والانتصار معًا: “وَوَقَفَتْ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ أُمُّهُ” (يوحنا 19/25)
لم تهرب مريم من الألم، بل دخلت فيه بمحبة. هنا يتحقق معنى الانتصار في أعمق صورة: الحب الذي يبقى واقفًا عندما ينهار كل شيء. القديس أفرام السرياني، ابن هذه الأرض التي تعيش فيها رسالة راديو مريم في سوريا اليوم، يصف مريم قائلاً: “في حضنها حملت النار التي لا تحرق، وفي قلبها حفظت الكلمة التي لا تزول”. إنه تعبير لاهوتي عميق عن سرّ حضورها: مريم تحمل المسيح، وتبقى ثابتة حين يبدو أن الموت قد انتصر.
مريم في حياة الكنيسة: أمّ الرجاء الحي
يرى القديس أوغسطينوس أن مريم هي صورة الكنيسة في كمالها، إذ يقول: “هي أكثر طوبى لأنها حملت المسيح في قلبها قبل أن تحمله في جسدها”، وهذا ما يجعلها ليست فقط أماً للمسيح بحسب الجسد، بل أماً لكل مؤمن يعيش الكلمة ويحتضنها بالإيمان.
سوريا وراديو مريم: حبّ لا يتوقف عن العطاء
في سياق الألم الذي عاشته سوريا، تصبح رسالة راديو مريم أكثر من وسيلة إعلامية؛ إنها “خدمة رجاء حيّ”. ففي البيوت المتعبة، وفي القلوب التي أنهكها الفقد، يُعاد إعلان هذه الحقيقة الإنجيلية: الحب لا يُهزم.
المارياتون هنا ليس مجرد دعم مادي، بل شركة في سرّ المحبة. كل صلاة تُرفع، كل تبرّع يُقدَّم، يصبح امتدادًا لـ”نعم” مريم الأولى، واشتراكًا في انتصارها الهادئ.
في الحب يكون الانتصار
مريم لا تنتصر بالسيف، بل بالصمت الممتلئ إيمانًا. لا تغلب العالم بالقوة، بل بالثبات عند الصليب وبالرجاء في القيامة. وهكذا نفهم شعارنا: “في الحب يكون الانتصار”، لأنه حيث يوجد حبٌّ حقيقي، هناك حضور الله، وحيث يكون الله حاضرًا، لا يمكن أن يكون هناك هزيمة نهائية.
فلنرافق مريم في مسيرتها، ولنجعل من المارياتون صلاة حيّة، نرفع فيها العالم كله إلى قلب الله، ونعترف مع الكنيسة أن الرجاء لا يموت، لأن الحب الذي بعثه الله فينا لا يموت.
مريم معلمة ومثال:
إن مريم القديسة، هي لنا نحن تلاميذ وتلميذات الابن الوحيد إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، قدوة ومثال، إذ أنها بصمتها وصلاتها، تبث إلينا حناناً كبيراً يحتوينا ويكون لنا طريقاً ونهجاً نتبعه لنبني جسور الحب، التي توصلنا إلى تحقيق مشيئة الله، في واقع عالمنا هذا الذي تجتاحه أمواج الفردانية والعزلة القاتلة والتي من جرائها يعاني الكثيرين من الشباب تجربة الانتحار المقيتة.
نحن بحاجة للعودة إلى مدرسة مريم أمنا الحنون وشفيعتنا القادرة لدى الآب. لنتأمل حنانها الأمومي الذي جعلها تقبل أن يقرب ابنها الوحيد نفسه، لتصبح أماً للبشرية جمعاء، البشرية الموعودة بالخلاص وكيف لا وهي الأم القادرة والشفيعة الأمينة، ونبع الحنان التي لا ترضى هلاك أي انسان.
في خضم هذا الزمن الذي يعاني منه العالم من آلام الحروب الكثيرة، واضمحلال الوعي الجمعي، والمسؤولية تجاه البيت المشترك، وتنامي الأنانية والمصالح الخاصة على حساب العائلة والمجتمع والخير العام، نلتجئ إلى أمنا الحنون متأملين بهذا السلام النابع من عمق تضامنها مع سر ابنها الوحيد ودعوته لخلاص كل الناس. إنها المعلمة التي منها نتعلم كل يوم كيف يمكن بالإصغاء المحب والتضامن الفاعل والمؤثر الذي يهدي الجميع.



