أخبار الرعايانشاطات الرعايانشاطات المطراننشاطات المطرانية

الأب جوني الداود كاهناً بعد عقدٍ من الأسر… شهادة رجاء كتبتها نعمة الله..

من ظلمة الأسر إلى نور المذبح
الأب جوني الداود كاهنًا بعد عقدٍ من الأسر… شهادة رجاء كتبتها نعمة الله
في مشهدٍ نادرٍ تختلط فيه الدموع بالفرح، والألم بالتسبيح، شهدت كاتدرائية الروح القدس في حمص يوم السادس من حزيران 2026 حدثًا استثنائيًا سيبقى محفورًا في ذاكرة الكنيسة السورية؛ إذ رُقّي الشمّاس جوني فؤاد الداود إلى الدرجة الكهنوتية بوضع يد راعي أبرشية حمص وحماة والنبك للسريان الكاثوليك، المطران مار يوليان يعقوب مراد.
لم تكن هذه السيامة مجرد احتفال كنسي تقليدي، بل بدت أشبه بإعلان انتصار للحياة على الموت، وللرجاء على اليأس. فالكاهن الجديد هو الرجل الذي اختُطف وقضى نحو عشر سنوات في الأسر، قبل أن يعود بنعمة الله إلى أهله وكنيسته ووطنه، حاملًا شهادة حيّة عن قوة الإيمان التي لا تنكسر أمام المحن.
وسط حضور كنسي ورسمي وشعبي واسع، تقدّمه السفير البابوي في سوريا المطران لويجي روبرتو كونا، تعالت الترانيم السريانية وقرعت الأجراس، فيما امتلأت عيون الحاضرين بدموع الفرح وهم يشهدون رحلة إنسانية وروحية نادرة تتوّج عند المذبح.
المطران مراد: الكهنوت دعوة للعطاء لا للذات
في عظته المؤثرة التي حملت عنوان رتبة السيامة: «الروح القدس يدعوك لتكون كاهنًا في كنيسة الله المقدسة»، أكد المطران مراد أن الكهنوت هو دعوة إلهية تُعاش من أجل الآخرين، لا من أجل الذات.
وتوجّه إلى الأب جوني قائلاً إن الله يدعوه اليوم إلى تكريس حياته بالكامل لخدمة الإنجيل، بعدما سبق له أن قدّم سنواتٍ من عمره شهادةً للوطن وللإيمان في محنة الأسر القاسية التي لا يستطيع أحد أن يدرك عمقها إلا من عاشها.
واستذكر المطران مراد بإكبار زوجته ستيلّا وابنه جاك وعائلته الذين حملوا معه صليب الانتظار والألم بإيمانٍ ثابت، معتبرًا أن ما عاشته العائلة طوال سنوات الغياب يشكل شهادة رجاء نادرة تدهش البشر والملائكة.
كما شدّد على أن الكاهن مدعو ليكون صورة للمسيح الراعي الصالح، متجذرًا في الإفخارستيا والصلاة، وأوصاه بخمس أولويات رعوية أساسية: الاهتمام بالعائلات، والتعليم المسيحي، والحياة الليتورجية، وتعزيز الشركة الكهنوتية، والمواظبة على التنشئة الروحية المستمرة.
وختم عظته بالتأكيد أن السيامة ليست محطة احتفال عابرة، بل بداية مسيرة جديدة من الأمانة للروح القدس وخدمة خلاص النفوس، داعيًا الجميع إلى الثبات في الرجاء لأن «الرجاء لا يخيّب صاحبه».
الأب جوني داود: هذه فرحة عائلة كاملة حملت معي الأمل
وفي كلمته الأولى بعد السيامة، عبّر الأب جوني داود عن امتنانه العميق لكل من ساهم في تنشئة دعوته الكهنوتية منذ بداياتها، مستذكرًا بوفاء البطاركة والأساقفة والكهنة الذين رافقوه في مسيرته الروحية والعلمية، وساهموا في زرع محبة الكنيسة والخدمة في قلبه.
كما وجّه شكره إلى إخوته الكهنة في الأبرشية، وإلى عرّابه الخورأسقف ميشيل نعمان الذي وصفه بالأب الحنون والسند الأمين في مختلف مراحل حياته.
وتوقف الأب الجديد بكثير من التأثر عند عائلته، معتبرًا أن فرحة السيامة ليست فرحته الشخصية فحسب، بل هي ثمرة مسيرة طويلة من الصبر والإيمان عاشتها الأسرة كلها.
وقال مخاطبًا زوجته ستيلّا: «أشكرك لأنك بقيت إلى جانبي في كل الظروف، وحملتِ معي سنوات لم تكن سهلة، بصبرٍ وإيمانٍ وثقةٍ بالله».
كما خصّ ابنه جاك بكلمات محبة، واصفًا إياه بعلامة الرجاء والفرح في حياته، قبل أن يوجّه الشكر إلى والديه وإخوته وأقاربه وأبناء بلدته مسكنة وكل من رافقه بالصلاة والمحبة خلال سنوات المحنة والانتظار. وختم كلمته قائلاً إنه يضع حياته وخدمته ومستقبله بين يدي الله، طالبًا أن يجعل من رسالته الكهنوتية مسيرة مثمرة بالثمار الروحية وخدمة الكنيسة والوطن.
بركة أبوية من البطريرك يونان
وفي ختام الاحتفال، تُليت رسالة غبطة البطريرك إغناطيوس يوسف الثالث يونان الذي منح الأب جوني داود بركته الرسولية الأبوية، مهنئًا إياه بنعمة الكهنوت بعد سنوات طويلة من المعاناة والصبر، ومؤكدًا أن الله الذي حفظه وسط التجارب يدعوه اليوم إلى أن يكون خادمًا أمينًا لإنجيل الرجاء والسلام.
السفير البابوي: عشر سنوات الأسر كانت ولادة جديدة
من جهته، عبّر السفير البابوي في سوريا المطران لويجي روبرتو كونا عن سعادته بأن تكون بداية خدمته وحجّه في سوريا من كاتدرائية الروح القدس في حمص وفي هذا الاحتفال المميّز.
وأشاد بعراقة الإيمان المسيحي في سوريا، داعيًا المؤمنين إلى أن يكونوا روحًا حيّة لوطنهم من خلال المحبة والانفتاح والاتكال على نعمة الله.
وتوجّه إلى الأب جوني بكلمات مؤثرة، معتبرًا أن السنوات العشر التي عاشها في الأسر كانت بمثابة «ولادة جديدة»، داعيًا إياه إلى أن يحمل في خدمته روح الغفران والمسامحة، وأن يكون شاهدًا حيًا لقوة المحبة التي تنتصر على الألم.
شهادة حيّة للرجاء
هكذا تحوّلت سيامة الأب جوني داود إلى أكثر من حدث كنسي؛ فقد غدت شهادة حيّة على أن الله قادر أن يحوّل سنوات الأسر إلى رسالة، والألم إلى نعمة، والانتظار إلى فرح.
إنها قصة كاهن عاد من عمق المحنة ليقف أمام المذبح، لا حاملاً ذكريات الأسر، بل حاملاً رسالة الرجاء، ليعلن مع الكنيسة كلها أن نور القيامة أقوى من كل ظلام، وأن يد الله ما زالت تكتب المعجزات في حياة أبنائها.