أخبار الرعايانشاطات الرعايانشاطات المطراننشاطات المطرانية
عظة المطران مار يوليان يعقوب مراد رئيس أساقفة حمص وحماه والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك خلال الاحتفال بالقداس الإلهي الذي فيه رُقّي الشماس جوني داود إلى الدرجة الكهنوتية
6-6-2026

عظة المطران مار يوليان يعقوب مراد رئيس أساقفة حمص وحماه والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك خلال الاحتفال بالقداس الإلهي الذي فيه رُقّي الشماس جوني داود إلى الدرجة الكهنوتية
بوضع يد راعي الأبرشية في كاتدرائية الروح القدس ٦/٦/ ٢٠٢٦
ܪܘܚܐ ܩܕܝܐ ܩܪܐ ܠܟ ܕܬܗܘܐ ܩܫܝܫܐ ܒܥܕܬܐ ܩܕܝܫܬܐ
الروح القدس يدعوك لتكون كاهناً في كنيسة الله المقدسة
بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
الرُّوحُ يدعو.. الروحُ يُرقّي … الروحُ يُؤيِّد ويُشجِّع … يطيب لي أولاً أنّ أرحِّبَ بهذا الجمع الكبير المحب للمسيح، أنّ أرحّبَ بكلّ الذين أتوا ليفرحوا معنا في كنيستنا كنيسة حمص المُحِبة للمسيح والمحبوبة من المسيح.
بدايةً وقبل أيِّ بداية أريدُ أن أرحِّبَ مرَّتين بسعادة السفير البابوي المطرانLuigi Roberto Cona القادم جديداً إلى سوريا، والذي مذّ وصلها بدأ ينسجُ علاقاتِ صداقةٍ وأخوّةٍ مع كلِّ الكنائسِ المحليَّة بتنوعها المتميِّز…. أهلاً وسهلاً بكم في حمص سعادة السفير، نتمنَّى لكم رسالةً غنيةً لكم ولنا، ونرى في قدومِكم اهتمامَ قداسةِ الحبرِ الأعظم البابا لاون الرابع عشر بكنيستِنا المتواضعة والعريقة.
أرحب بصاحب السيادة المطران مار يوحنا جهاد بطاح رئيس أساقفة دمشق للسريان الكاثوليك الذي يحتفل معي. كما أرحِّب بصاحب السيادة المتروبوليت يوحنا عبدو عربش مطران الروم الكاثوليك في حمص وحماه ويبرود. ونيافة المطران مار ثيموثاوس متَّى الخوري مطران حمص وحماه وطرطوس للسريان الأرثوذكس. وحضرة القس أدون نَعمان راعي الكنيسة الإنجيلية المشيخية في حمص، كما أرحِّب بالمونسنيور فيكتور سكرتير سعادة السفير. والخوري منهل بولس النائب الأسقفي للموارنة في حمص، والأب مراد أبو سيف راعي رئيس الآباء اليسوعيين في سوريا وراعي الكنيسة اللاتينية في حمص، والأخ فاسكين خاجادوريان ممثِّلاً عن المطران أرماش نعلبديان مطران الأرمن الأرثوذكس في دمشق وحمص. وأشكر مشاركَة الآباء الكهنة والرهبان والراهبات الأعزاء في الرب.
كما أنِّي أرحِّب بكلِّ وفود رعايا الأبرشيَّة الآتين من بعيدٍ ومن قريب، أهلاً وسهلاً بكم في مطرانيَّتِكم الأمّ بيتِكم الدَّافئ، لتعبِّروا عن فرح كلِّ الأبرشيَّة بهذا الاحتفال المُعجِز البيان. والَّذي يفيضُ فيه الربُّ الاله نعمةً على نعمة وفرحاً على فرح.
ولا يفوتني أن أتقدَّم بالشُّكر الكبير والقلبي للسيد أحمد حسسينات أبو عبدو الصديق العزيز والوفي، على حضوره.
أتوجَّهُ إلى عائلة الشَّماس جوني… إلى الوالدَين الأعزَّاء وأهله الطيبين، زوجتِه العزيزة ستيلَّا وابنِه جاك، شاكراً إيَّاكم باسم الكنيسة على شهادةِ إيمانِكم الَّتي تشهدونَ بها منذُ نعومةِ أظفارِكم، وكيف أنَّ المحنةَ لم تَثنِكُم عن إيمانِكم، لا بل عزَّزت التزامَكم الذي يُدهشُ الملائكة والبشر. الله اليوم يُظهر بركتَه عليكم بهذه المنَّة التي تفوق كلَّ عطيةٍ في السَّماء وعلى الأرض.
كما أريدُ أنّ أشكرَ أهلَ مسكنة الرَّائعين، الَّذين لم يبخلوا على الكنيسة بأبنائِهِم، ليصيرَ منهم آباءً عظاماً في كنيستِنا مدعاةَ فخرٍ واعتزازٍ بما مجَّدوا الله في حياتهم. ولا تزال تقدِّم دونَ تردُّد – كما وسائر رعايا الأبرشية – رجالاً عظاماً وخدّاماً مُخلِصين إيماناً منهم بقدرةِ العليّ التي تصنع المعجزات في تلاميذ وتلميذات الرب يسوع المسيح الكاهن الأوحد والأزلي.
«الروح القدس يدعوكَ لتكونَ كاهناً في كنيسةِ الله المقدَّسة»: في هذه الدَّعوة التي تبدأ بها رُتبة السِّيامة الكهنوتية، تضعك الكنيسةُ أيُّها الابنُ العزيز جوني، أمامَ مسؤوليَّةٍ واضحة وهي: أنَّكَ أنتَ كاهنٌ ليس من أجلِ ذاتِك، بل من أجلِ الآخرين…. نعم هذا أنتَ يا جوني، يدعوكَ اللهُ اليومَ إلى الدَّرجةِ الكهنوتيَّة مُكرِّساً ذاتكَ حباًّ به. أنتَ الَّذي كنتَ قد كرَّستَ ذاتَك قبلاً حباً بالوطن، سوريا، فدفعتَ من حياتِك ثمناً باهظاً جداً في شهادةِ الأسر، عشرُ سنواتٍ، ولا أحدَ منَّا – سواكَ أنتَ- يُدركُ ما عشتَه وما اختبرتَه. واليوم تأتي أمامَ مذبحِ الرب لتقرِّب ذاتكَ طاعةً لحبِّه هو، تقدمةُ ذاتِكَ ثمرةُ مسيرةِ إيمانٍ انطلقت من بيتِ والدَيك، واستمرت في أسرتِكَ الصَّغيرة الشاهدة، تُرافقُكَ ستيلَّا شريكتُكَ في كلِّ شيء، هيَ التي كرَّسَت ذاتَها أيضاً حبّاً بالله في حملِ رسالةِ الكنيسة في عطاءٍ لا يني، وصبرٍ لا يكلّ، وفرحٍ يبقى سراً مدهشاً يشبهُ فرحَ السَّكران بالحبيب، شهادةَ أمانةٍ لمَن أحبَّت واختارت لتسيرَ معه على دروب الحياة، مسيرةَ شهادةٍ بدأت بـ /نعم/ أمامَ الله في عهدِكُما الأبديّ في الزواج، واليومَ تتكلَّلُ هذه الشهادة بهذا العرسِ السَّماوي الذي فيهِ تسجُدُ الملائكةُ لآدمَ الذي أمرَهُم اللهُ أن يسجدوا له، كيفَ لا وقد جعلَه اللهُ أرفعَ منَ الملائكةِ في سرِّ الكهنوت في الكنيسة المقدسة.
كما أتوجَّه إلى جاك ابنِك الحبيب الَّذي تركتَه طفلاً بعمرِ الثَّلاث سنوات، وعندما رجِعتَ وجدتَه شاباً يافعاً بعمر ال ١٣ سنة مليئاً بالحيويةِ والحياة وابناً للكنيسة، لأقول له: الله أعادَ لك أباكَ بعد غيابٍ قسريٍّ في حربٍ ظالمة، ليصبحَ أباً لكَ ولكثيرينَ في مسيرة عدلٍ وسلامٍ نرجوهُ لبلِدنا الحبيب.
اليومَ يدعوكَ اللهُ لتكونَ وكيلاً أميناً على أسرارِهِ المقدَّسة والالهيَّة، تحتفلُ بها جامعاً رعيَّتك إلى حظيرةِ المسيح أيّ الكنيسة مغذّياً ومتغذياً بحسب دعوة قداسة البابا لاون الرابع عشر لكاهن اليوم، يدعوكَ لتكونَ إنساناً على صورةِ المسيح، تتغذَّى من الافخارستيا وتكرِّس ذاتكَ للمحبَّة الرعويَّة. كما يدعوكَ لتعودَ إلى اكتشافِ الهويَّة الأصليَّةِ للكهنوت مستنداً إلى التقليد الرسوليّ، والذي يقوم على الانطلاق من رحمةِ الله أيّ أنّ الكاهن ليس هو مصدرُ الرسالة، بل هو من “أوقدَتهُ” نعمةُ الله وهو شاهدٌ للمسيح لا لنفسهِ ويعيش هويَّتَه الرسوليَّة مرتبطةً بالمسيح الراعي وبشعبِ الله لا بوظيفة إداريَّة، يعيشها كمرسَل داخلَ الجماعة مع جرنِ المعموديَّة مع كرسيّ الاعتراف، مع المذبح والقربان الَّلذَين يكشفان قلبَ الخدمة… مع ومع … الرِّفقةُ معَ المسيح هيَ الأساسُ الروحيُّ للسيامةِ الكهنوتيَّة.
أيُّها الابنُ الحبيب جوني، من واجبي الضميري أنّ أذكِّرَكَ بأنَّ الكهنوتَ يقوم على:
1- الاهتمام بالعائلات: إنَّه الواجبُ الأوَّلُ للكاهن، إنَّكَ الأبُ السَّاهرُ والمدبِّرُ الحكيم، وعليكَ السَّهر على أبناءِ رعيَّتِكَ الموكلَةِ إليكَ من قبلِ الكنيسة، كما فعلَ الربَّ يسوعَ حين طلبَ من تلاميذِه أنّ يدبِّروا طعاماً للجموع، وطلبَ منهُم أنّ يُعطوهم هُم ليأكلوا. فكلُّ عائلةٍ هي مشروعُ عائلةِ النَّاصرة، وكلُّ بيتٍ هو بيتَ عنيا الذي يستقبل الربَّ يسوع، ففي كلِّ مرةٍ تُرفَعُ فيه صلاة، في كلِّ وقتٍ يُعاشُ الحبُّ في دفءِ حيطانِه يكونُ الربُّ في وسطِنا. لتَكن حاملَ يسوعَ إلى كلِّ النَّاس من خلال زيارةِ البيوت ولا سيَّما العائلات البعيدة عن الكنيسة روحيّاً وجغرافياً. زيارة العائلات التي لديها المرضى والصلاة معهم، والعائلات التي تُعاني من تعب الفقر كم هُم بحاجةٍ إلى سندٍ وتعزية.
2- الاهتمام المباشر بالتعليم المسيحي للأطفال والشباب، يُشكِّل حجرَ الزَّاوية في الرعيّة، “مَن قبلَ هذا الطفلَ فقد قبلني”. واجب الاهتمام بهذه الرِّسالة هو البوصلة التي تشير إلى مستقبل الكنيسة. كلُّ خدمةٍ في الرِّسالة ضروريَّة… وكلُّ نشاطٍ رعويّ مهم إلا أنَّه لا يَحِلُّ مكانَ التَّعليم المسيحي الذي هو واجبٌ موكَلٌ مباشرةً إلى مسؤوليَّةِ الكاهن في الرعيَّة.
3- الاهتمام بالليتورجيا: الكاهن أولاً هو رجلُ الله أيّ رجلُ صلاة، والصلاة هي المهمَّةُ الخاصَّة لجماعةِ المسيح، في وقتِ الصَّلاة يتجلَّى المسيح على جبل طابور فتحتفل الكنيسة بالرب الحاضرِ في وسطها. ولا ليتورجيا صحيحة تمجِّدِ الله بدون حياةٍ روحيَّةٍ ملتزمةٍ وصادقة تقومُ على الأمانة في العلاقة مع الرب. إنَّ الربَّ يسوع هو معلِّم الصَّلاة وهو المحتفِل بالليتورجيا، لذلك نحنُ مدعوونَ أن نعودَ إليه كما فعل التلاميذ في إنجيل لوقا ونقول له: علِّمنا أن نُصلِّي.
4- أما في العلاقةِ مع عائلتَكَ الكهنوتيَّة، فأنتَ مدعوٌّ إلى توطيدِ هذهِ العلاقة بروابطِ المحبَّةِ والحوار والتَّعاون، فالمطران أبٌ لكَ وأنتَ ابنٌ له، والكهنةُ إخوةٌ لكَ وأنتَ أخوهم، نسيرُ معاً في شركةٍ ثابتة.
5- الاهتمام بنموّك الروحيّ وبتجدُدِكَ الكهنوتيّ من خلال التنشئةِ المستدامة، ولستَ وحدَك في هذهِ المسيرة، فالجماعة معكَ وحولَك.. الجماعةُ التي تصلّي لأجلك الآن ستشاركُكَ الصّلاة دائماً بحسب ما تكشف لنا إحدى صلوات رتبة السيامة: اقبل يا ربُّ ابنَك هذا القريبَ منكَ هنا، من مذبحِكَ من حضورِكَ الإلهيّ المنتظِر موهبتَكَ السَّماوية، اقبل صلواتِ شعبِكَ المجتمع باسمِكَ من أجلِه، ليكونَ أهلاً لتمجيدِ اسمِك القدُّوس كلَّ أيَّامِ حياتِه.
وأختم بالقول: ما ذكرتُه لكَ ليس مهام رعوية، بل هي ثمارُ حبٍّ، ثمارُ انفتاحٍ دائمٍ ومسؤولٍ لعملِ الرُّوح القدس … ثمارُ أمانةٍ وإخلاصٍ مُتجددَين لوديعة الإيمان ولرسالة خلاص النفوس، ما نعيشُه اليوم في هذه السِّيامة ليسَ لحظةَ فرحٍ عابرة، بل هي خطوةٌ من مسيرةٍ مستمرةٍ ومتجدِّدة، فيها نكتشفُ أنَّ اللهَ ما يزال يثق في كنيسته، ما زال ينتظر منها أنّ تستمرَّ مع أبنائِها حجَّاجَ الرَّجاء بالسَّير نحو الهدف الأسمى أيّ بناءِ ملكوتِ الله على الأرض، فيها نكتشف أنَّ الرجاءَ لا يخيِّب صاحبَه، الرجاء الذي يُعاش في العائلة وينمو في حياةِ الجَّماعة الكنسيَّة، ويتجدَّد ويَعظُم بالصَّلاة والانفتاح لعملِ الرُّوحِ القدس .. الربُّ يقول لنا: ثقوا لا تخافوا .. أنا غلبتُ العالم بالحبّ والقيامة… أحبّوا … أعطوا … عيشوا هذا الحب العظيم برجاء لا يضعُف …لا تيأسوا ولا تسمحوا للشّك أنّ يتسلَّل إلى قلوبِكُم … من هذا المنطلق اسمحوا لي – أيها الأحباء – أن أختم وأتشاركَ معكم صلاةً جميلة للقديس أوغسطينوس سبق أن صلّاها قداسة البابا لاون: [أحبوا هذه الكنيسة، عيشوا فيها، قولبوها كما تبدو لكم، أحبُّوا الراعي الصالح العريس السماوي الذي لا يخون أحداً ولا يريد موت أحد. صلوا أيضاً للخراف الضالة كي تعود وتعرف الحقيقة، وكي يبقى قطيعاً واحداً لراعٍ واحدٍ].





