نشاطات المطرانية

مــا وراء المونديــال .. قصــة إيمــان وإنســانيـة حيـن التقـت كــرة القــدم برســالة الإنجيــل

مــا وراء المونديــال .. قصــة إيمــان وإنســانيـة
حيـن التقـت كــرة القــدم برســالة الإنجيــل
يعيش العالم في هذه الأيام أجواء مونديال 2026 ، هذا الحدث الاستثنائي الذي يقام كل أربع سنوات ،تتوحّـد خلالـه أنظــار مليــارات البشــر نحــو الملاعــب، وترتفــع الأعــلام، وتتعــالى الهتافــات بلغــات مختلفــة، لكنّهــا تعبّــر عن مشــاعر واحــدة: الفـرح، والرجـاء، والانتمـاء.. وفـي عالـم تمـزّقه الحـروب والانقسـامات، تبـدو كـأس العـالم وكأنّـها مسـاحة نـادرة يلتقـي فيهـا البـشر حـول شــغف مشــترك.
ومن الجميل أن نتذكر أن وراء هذا الحدث الرياضي العالمي تقف قصة إيمان وإنسانية ، قصة رجل لم يرَ في كرة القدم مجرّد لعبة، بل وسيلة لخدمة الإنسان وتعزيز الأخوّة بين الشعوب فحلم بأن توحّد كرة القدم العالم..
إنّه/ الفرنسي الكاثوليكي جول ريميه/ الذي آمن بكرامة الإنسان وبقدرة الرياضة على أن تكون لغة سلام.
-وُلد جول ريميه عام 1873 في فرنسا لأسرة كاثوليكية متدينة، وتأثر منذ صغره بتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، وبالرسالة الاجتماعية التي حملتها وثيقة “Rerum Novarum” الصادرة عن البابا لاون الثالث عشر، والتي دعت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق العمال، ومساندة الفقراء.
-ومنذ شبابه، كرّس حياته لخدمة المجتمع، مؤمناً بأن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل لغة عالمية قادرة على نشر المحبة والسلام بين البشر.
-وعندما بلغ الرابعة والعشرين من عمره، أسّس نادياً ياضياً مفتوحاً للجميع، دون تمييز بين غني وفقير، مؤمنا بأن كرة القدم قادرة على كسر الحواجز الاجتماعية، وجمع الناس على أرضية واحدة.
-وفي عام 1904، كان من أبرز المساهمين في تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA). وبعد سنوات من العمل والإصرار، تحقق حلمه بإطلاق أول بطولة لكأس العالم عام 1930 في الأوروغواي.

-حملت أولى نسخ البطولة اسم “كأس جول ريميه”، تكريماً للرجل الذي آمن بأن كرة القدم يمكن أن تكون جسراً للسلام، تحمل رسالة انسانية يمكنها أن تقرّب بين الشعوب، وتخفف من حدة الصراعات، وتغرس روح الأخوة والوحدة بين الأمم.
-هذه الرؤية تنسجم بعمق مع رسالة الإنجيل، حيث يقول المسيح: «طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون» (متى 5: 9). فالسلام، في المفهوم المسيحي، ليس مجرد غياب للحرب، بل هو ثمرة العدالة، والاحترام المتبادل، والاعتراف بكرامة الآخر. وما سعى إليه ريميه، بطريقته، كان أن يجعل الرياضة مدرسةً لهذه القيم.
.
ومن المبادئ التي تتجلّى أيضاً في مسيرة ريميه التضامن. فالرياضة، بالنسبة إليه فرصة لاكتشاف أنّ الاختلاف لا يمنع الوحدة، وأنّ المنافسة يمكن أن تتم باحترام ومحبة. ففي الملعب يتواجه الخصوم، لكنهم يتصافحون في النهاية، في صورة تعبّر عن إمكانية التلاقي رغم الاختلاف.
– استمر جول ريميه رئيساً للفيفا ثلاثة وثلاثين عاماً، وحملت كأس العالم اسمه بين عامي 1930 و1970 تكريمًا لدوره في تأسيس البطولة
– وبعد وفاته عام 1956، رُشّح لجائزة نوبل للسلام، لأنّ مشروعه لم يكن رياضياً فحسب، بل كان يحمل رؤية إنسانية جعلت من كرة القدم أداة للتقارب بين الشعوب.
واليوم، وبينما قد تطغى على كرة القدم أحياناً المصالح الاقتصادية أو النزعات القومية، تبقى سيرة جول ريميه تذكيرا بأنّ الرياضة تستطيع أن تكون أكثر من منافسة على كأس. فهي قادرة، عندما تُبنى على احترام الإنسان وخدمة الخير العام، أن تصبح مدرسة للأخوّة، ومختبراً للسلام، وشهادةً حيّة على أنّ القيم التي بشّر بها الإنجيل : المحبة، والعدالة، والتضامن، وخدمة الإنسان – ليست بعيدة عن الملاعب، بل تستطيع أن تجد فيها مساحةً حقيقية للتجسّد.