أخبار فاتيكانيةنشاطات المطراننشاطات المطرانية

كلمة المطران مار يوليان يعقوب مراد خلال مشاركته في الذكرى الأربعين للقاء أسيزي للصلاة من أجل السلام

من لا فيرنا إلى أسيزي: أن نصير جسوراً للسلام في سوريا
كلمة المطران مار يوليان يعقوب مراد
خلال مشاركته في الذكرى الأربعين للقاء أسيزي للصلاة من أجل السلام
هناك أحداث تقع في التاريخ، وأحداث تدخل التاريخ وتبقى حيّة فيه. وكان لقاء أسيزي الذي دعا إليه القديس البابا يوحنا بولس الثاني في 27 تشرين الأول 1986 من هذا النوع. فقد اجتمع ممثلو الكنائس والجماعات المسيحية ومختلف الأديان للصلاة من أجل السلام، لا لإلغاء الاختلافات أو إنشاء دين واحد، بل للإعلان أمام عالم مثقل بالحرب والخوف أن المؤمن، مهما اختلفت طريقته في الإيمان، لا يستطيع أن يبقى متفرجاً أمام الألم، وأن الأديان تحمل مسؤولية حقيقية في بناء السلام.
لقد أدرك يوحنا بولس الثاني أن الدين يمكن أن يصبح جزءاً من المشكلة عندما يُستخدم لتبرير العنف والكراهية، لكنه يستطيع، عندما يعود إلى جوهر رسالته، أن يكون قوة عظيمة للمصالحة والسلام. ومن هنا كانت دعوته إلى أن يصبح المؤمنون «أنبياء للسلام».
بعد أربعين عاماً، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا بقي من أسيزي؟ بل: هل استطعنا أن نصبح نحن أسيزي؟
فأسيزي ليست مكاناً أو حدثاً تاريخياً فحسب، بل هي طريقة في النظر إلى الإنسان وإلى الآخر. وقد علّمنا القديس فرنسيس أن نقترب من الآخر بلا خوف، وأن السلام لا يبدأ حين نتفق على كل شيء، بل حين نمتلك شجاعة اللقاء رغم الاختلاف.
وهذا المعنى ليس غريباً عن سوريا. فقد عاش المسيحيون والمسلمون فيها قروناً طويلة كجيران وأصدقاء وشركاء في الحياة اليومية، وتقاسموا الأفراح والأحزان والخبز والماء والذاكرة والأرض. والحرب لم تستطع محو هذا التاريخ، لكنها جرحت الذاكرة وأضعفت الثقة وخلقت مسافات جديدة بين الناس.
لذلك، فإن الحوار في سوريا ليس ترفاً فكرياً ولا نشاطاً دبلوماسياً، بل ضرورة حياة. فلا يمكن للسوريين أن يبنوا مستقبلاً مشتركاً إذا بقي كل مكوّن ينظر إلى الآخر من خلال الخوف والشك وذاكرة الجراح.
الحوار الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالروابط التي تجمعنا، ومن العمل المشترك من أجل كرامة الإنسان وقدسية الحياة والسلام.
مار موسى: حين يصبح الحوار أسلوب حياة
عندما أفكر في روح أسيزي، أتذكر دير مار موسى وتجربتي فيه مع الأب باولو دالوليو. فقد كان الحوار بالنسبة إليه أسلوب حياة، لا موضوعاً نظرياً. في مار موسى تعلمنا أن نفتح الباب للآخر، وأن نصغي إليه، ونصلي معه، ونتشارك الطعام والحياة اليومية.
لم يكن المسلم الذي يأتي إلى الدير مجرد «ضيف في مشروع حوار»، بل إنساناً نلتقيه ونصبح معه إخوة في الإنسانية.
وهنا تكمن المسافة بين الحوار كفكرة والحوار كحياة.
فالحوار الحقيقي لا يبدأ عندما أمتلك أجوبة عن الآخر، بل عندما أقبل أن أصغي إليه. ولا يعني الحوار أن أتخلى عن إيماني المسيحي، بل أن أعيش هذا الإيمان بعمق، لأن الإيمان بالمسيح يقود إلى محبة الإنسان واحترام حريته وكرامته ورفض العنف والكراهية.
من تجربة الأسر إلى رفض الكراهية
لقد عمّقت تجربة الاختطاف والأسر هذه القناعة. خلال خمسة أشهر، وجدت نفسي أمام أشخاص يحملون أفكاراً ومواقف أرفضها، وبعضهم مارس العنف بحقي. ومع ذلك، بقيت أكتشف أن الإنسان لا يمكن اختزاله في الفكرة التي يحملها أو الجماعة التي ينتمي إليها.
كنت أصلي من أجل الذين يؤذونني، لا لأن الأمر كان سهلاً، بل لأنه كان ثمرة إيماني بالمسيح الذي علّمنا أن نحب أعداءنا ونصلي من أجل الذين يسيئون إلينا.
وأهم ما خرجت به من تلك التجربة هو أنني لم أستطع أن أخرج منها بكراهية المسلمين. كيف يمكن تحويل جرائم جماعة متطرفة إلى حكم على دين كامل وعلى ملايين البشر؟
لقد أكدت لي التجربة أن الحوار لا يصبح أقل ضرورة عندما يخطئ الآخر، بل يصبح أكثر ضرورة. والحوار لا يعني إنكار الشر، وإنما رفض أن يتحول الشر إلى كراهية دائمة بين البشر.
سوريا تحتاج إلى الأخوّة لا إلى مجرد التعايش
عرفت سوريا أشكالاً عديدة من التعايش، لكننا اليوم بحاجة إلى ما هو أعمق من مجرد العيش جنباً إلى جنب. التعايش يعني أن نعيش بجانب الآخر، أما الأخوّة فتعني أن نؤمن بأن مستقبلنا مرتبط بمستقبله. لا نريد سوريا يعيش فيها المسيحي والمسلم كل واحد في جزيرة منفصلة، يخاف أحدهما الآخر أو يكتفي بتحمل وجوده. نريد سوريا يشعر فيها كل إنسان أن الآخر جزء من وطنه. وهذا يتطلب عدالة حقيقية، ومواطنة حقيقية، واحتراماً لكرامة الإنسان، وضماناً لحقوق جميع المواطنين، بصرف النظر عن الدين أو الطائفة أو القومية.
كما أن بناء الثقة يحتاج إلى دولة تمثل جميع مكوناتها، وإلى إطار دستوري واضح ومقبول، وإلى عدالة وأمان يسمحان للسوريين المهجرين بالتفكير في العودة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا نحكم على الشعب السوري من خلال السياسة وحدها. فالسياسة قد تزرع الخوف والانقسام وتستثمر في الجراح، لكن في أعماق الناس يبقى توق إلى العيش معاً. وهنا تبدأ مسؤولية الكنيسة والمسجد وكل صاحب ضمير.
من الحوار إلى الشراكة
لا ينبغي أن يبقى الحوار محصوراً في لقاءات رجال الدين. الحوار الحقيقي يجب أن يصل إلى حياة الناس.
أن نعمل معاً من أجل الفقير، ونحمي الطفل، ونقف إلى جانب الأرملة واليتيم، ونعيد بناء مدرسة أو مستشفى، ونساعد العائدين والمهجرين، ونعلّم أبناءنا أن الاختلاف الديني ليس سبباً للكراهية.
عندما يعمل المسيحي والمسلم معاً لخدمة إنسان جريح، يصبح الحوار واقعاً. وعندما يقف المسلم إلى جانب جاره المسيحي في حزنه، والمسيحي إلى جانب جاره المسلم في محنته، يصبح الحوار حياة. وعندما يتعلم الطفل أن زميله المختلف عنه في الدين ليس عدواً بل أخاً في الوطن، نكون قد بدأنا فعلاً ببناء سوريا جديدة.
من سمات المسيح إلى جراح سوريا
ترتبط روح أسيزي أيضاً بذكرى سمات المسيح التي حملها القديس فرنسيس على جبل لا فيرنا في 14 أيلول 1224، والتي احتفلت الكنيسة بمرور ثمانية قرون عليها.
الجراح ليست فقط علامة على الألم؛ يمكن أن تصبح، في الإيمان، قنوات تمر منها الرحمة إلى العالم. وهذا المعنى يلامس سوريا بعمق. فسوريا تحمل سماتها في أجساد أبنائها، وفي بيوتها المهدمة، ومدنها وقراها، وذاكرة من فقدوا أحباءهم، وقلب اللاجئ الذي لا يعرف إن كان يستطيع العودة، وقلب المسيحي الذي يسأل عن مكانه ومستقبله، وقلب المسلم الذي يبحث عن الأمان والكرامة والمستقبل.
السؤال المسيحي ليس كيف نخفي هذه الجراح، بل كيف نجعل منها أماكن للرحمة؟ وكيف ننتقل من جراح الماضي إلى مستقبل لا يعيد إنتاج الجراح نفسها؟
أسيزي سوري
ربما تحتاج سوريا اليوم إلى «أسيزي سوري». ليس بالضرورة لقاءً كبيراً أمام الكاميرات، بل روحاً تبدأ من الأحياء والقرى والأماكن التي عاش فيها السوريون معاً.
نحتاج إلى استعادة ذاكرة اللقاء لا ذاكرة الصراع فقط، وإلى الاعتراف بالجراح والأخطاء، وإلى عدالة تمنع الانتقام، ومصالحة لا تقوم على نسيان الحقيقة، بل على مواجهتها بشجاعة.
فلا مصالحة حقيقية من دون حقيقة وعدالة، ولا عدالة حقيقية من دون كرامة لكل إنسان، ولا سلام حقيقي من دون أن يشعر كل سوري أن الوطن وطنه.
أن نصير جسوراً
بعد أربعين عاماً من أسيزي، دعوتنا ليست فقط إلى تنظيم لقاء جديد، بل إلى تجديد الروح التي ولدت في ذلك اللقاء: من الحوار عن الآخر إلى الحوار مع الآخر. من الحديث عن السلام إلى صناعة السلام. من الخوف من الاختلاف إلى اكتشاف غناه. من الذاكرة التي تقسّمنا إلى ذاكرة تساعدنا على الشفاء. من الجراح إلى الرحمة، ومن الرحمة إلى المصالحة، ومن المصالحة إلى السلام.
إن القديس فرنسيس، الذي حمل سمات المسيح في جسده، يذكّرنا بأن المسيحية ليست هروباً من جراح العالم، بل دخولاً فيها بقوة المحبة. وأسيزي تذكّرنا بأن الأديان ليست مدعوة إلى أن تقف متقابلة، بل إلى أن تقف معاً أمام آلام الإنسان.
أما سوريا، فتضع أمامنا امتحاناً حقيقياً: هل نستطيع أن نختار المستقبل بدل الانتقام؟ وهل نستطيع أن نرى في الآخر أخاً في الإنسانية والوطن؟ وهل نستطيع أن نبني جسوراً حيث بُنيت الجدران؟
أؤمن أن ذلك ممكن. فقد رأيت أن الإنسان قادر على الغفران، وأن الحوار يستطيع أن يعيش في أصعب الظروف، وأن المسلم والمسيحي قادران على حمل جرح الوطن معاً، وأن الرحمة أقوى من الكراهية.
لذلك، فإن أسيزي بالنسبة إليّ ليست ذكرى، بل دعوة إلى أن نصير جسوراً: بين الإنسان والإنسان، وبين المسيحي والمسلم، وبين الماضي والمستقبل، وبين الجرح والمصالحة، وبين سوريا التي عانت كثيراً وسوريا التي ما زلنا نؤمن أنها قادرة على أن تولد من جديد.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لسمات المسيح التي حملها فرنسيس: أن الجراح لا تغلق الإنسان على ألمه، بل تفتح فيه طريقاً نحو الآخر.
وفي سوريا، حيث نحمل جميعاً جراحاً كثيرة، لعل دعوتنا اليوم هي أن نسمح لهذه الجراح، بنعمة الله، أن تصبح أبواباً للرحمة، لا أبواباً للكراهية.
بعد أربعين عاماً من أسيزي، لا يحتاج العالم إلى مزيد من الجدران بين الأديان، بل إلى رجال ونساء يؤمنون بأن السلام ممكن، ويمتلكون شجاعة أن يكونوا جسوره.

وهذا هو الطريق الذي علينا أن نسلكه في سوريا.

See less