نشاطات المطراننشاطات المطرانية

وثائقي من إدلب، من قرى جسر الشغور المسيحية بعنوان: على خطى الشهادة : الأب فرانسوا مراد ، رجاء بين الركام

وثائقي من إدلب، من قرى جسر الشغور المسيحية بعنوان:
على خطى الشهادة : الأب فرانسوا مراد ، رجاء بين الركام
في شمال غرب سوريا، حيث تتقاطع الذاكرة مع الألم، وتنهض الحياة من بين الركام… لا تزال بعض القرى الصغيرة في ريف جسر الشغور تحمل نبض الإيمان. في اليعقوبية، القنية، الغسانية، والجديدة، لم تنطفئ الشعلة رغم قسوة السنوات. هنا، حيث مرّ النزاع وترك أثره، يعود الصوت خافتًا لكنه ثابت… صوت الرجاء.
في زيارة تحمل أبعادًا روحية وإنسانية عميقة، رافقت راديو مريم عددًا من الأساقفة المطران حنا جلوف، المطران مار يوليان يعقوب مراد، المطران يوسف طوبجي، والمطران جوزف شمعي، في جولة إلى هذه القرى، تأكيدًا على الحضور، وتشجيعًا لما تبقى من جماعات مسيحية صامدة. لم تكن الزيارة مجرد لقاء، بل مسيرة وفاء لذاكرة الشهادة، وتكريمًا لرفات الأب الشهيد فرانسوا مراد، استجابة لدعوة البابا فرنسيس للسير نحو الأطراف بروح السينودسية.
في قرية القنية، وعلى مقربة من الحدود التركية، يقف دير القديس يوسف للرهبان الفرنسيسكان شاهدًا على التاريخ والجمال. بُني في أواخر القرن التاسع عشر، ليكون أقدم دير في إدلب، ومتحفًا حيًا لذاكرة القرية، بما يحتويه من آثار ولوحات لشخصيات دينية تركت بصمتها في تاريخ الكنيسة.
هناك، عند مدفن الأب الشهيد فرانسوا مراد، ارتفعت الصلاة. قداس شكر ترأسه المطران حنا جلوف، حمل في عظته رسالة واضحة: “بعد الاضطهاد، هناك رجاء”. كلمات استحضرت لحظات عام 2015، حين اقتحم تنظيم داعش المنطقة، وكيف استطاع الإيمان أن يفتح جسورًا حتى في أحلك الظروف.
الأب خوكاز ميسروب تحدث عن رسالة الرهبان في القنية، وعن واقع المسيحيين الذين ما زالوا يتمسكون بأرضهم رغم كل شيء. ومن القنية إلى الغسانية، حيث دير مار سمعان العمودي… المكان الذي أسسه الأب فرانسوا مراد، والذي تحوّل إلى شاهد على واحدة من أكثر القصص ألمًا في النزاع السوري.
قبل استشهاده بأشهر، كتب الأب فرانسوا رسالة قال فيها:
“نحن في خطر… لكن إيماننا مبني على صخرة المسيح… وسأقدّم حياتي من أجل الكنيسة والسلام في العالم، وخصوصًا من أجل سوريا.”
كلمات تحققت لاحقًا، حين دفع حياته ثمنًا لإيمانه.
شهادات حية أعادت رسم تلك اللحظات: من أبناء القرية، ومن رهبان عايشوا الحدث، تحدثوا عن الشجاعة، عن الخوف، وعن
الإيمان الذي لم ينكسر.
وقد أدلى السيد ابو جوليان جلوف من أبناء القنية بشهادته وهو كان حاضرا لحظة استشهاده.
كما عبّر الأب فراس لطفي الفرنسيسكاني بكلمات مؤثرة وتفاصيل دقيقة عن تلك اللحظات الرهيبة في حياة الاب فرانسوا واختباره الشخصي وما عايناه حينها لحظة استشهاده.
ورغم كل ما حدث، لم تكن القصة قصة رحيل فقط… بل أيضًا قصة عودة.
فمع تراجع العنف، بدأت عشرات العائلات المسيحية بالعودة إلى قراها. وكان للمطران حنا جلوف دور أساسي في هذه العودة، من خلال تأمين الضمانات وبناء جسور الثقة، رغم التحديات الكبيرة.
افتتاح مكتب كاريتاس خلال الزيارة لم يكن تفصيلًا صغيرًا، بل خطوة عملية نحو إعادة الحياة، وتأمين احتياجات الناس، وفتح باب لعودة أوسع للمهجّرين.
أما المطران يوليان يعقوب مراد، فاختصر المشهد بكلمات مؤثرة:
“مسيحيو إدلب اليوم هم رسالة رجاء… ليس فقط لأنفسهم، بل أيضًا من أجل خلاص المتطرفين.”
في هذه القرى المنسية، لا تُقاس الحياة بعدد السكان، بل بعمق الإيمان.
هنا، حيث اختلطت الدموع بالصلاة، يولد الرجاء من جديد…
رجاءٌ لا يعتمد على الظروف، بل على قلوب قررت أن تبقى.
ورغم كل الألم… لا تزال الحكاية مستمرة.