تذكارات القديسين

2026-10-1 : تذكار القديسة تريزا الطفــل يسـوع والوجـه المقـدس

2026-10-1 : تذكار القديسة تريزا الطفــل يسـوع والوجـه المقـدس
زهـــرة الكرمـــل وطريــق الطفولــة الروحيــة
في الأول من تشرين الأول، تحتفل الكنيسة بعيد القديسة تريزا الطفل يسوع والوجه المقدس، تلك القديسة التي عاشت على الأرض أربعاً وعشرين سنة فقط، لكنها تركت في الكنيسة رسالة روحية عميقة ما زالت تنير قلوب الملايين حتى اليوم.
إنها القديسة تريزا الطفل يسوع، المعروفة أيضًا بـ /الزهرة الصغيرة/ التي اكتشفت أن طريق القداسة لا يحتاج بالضرورة إلى أعمال عظيمة أو إنجازات ظاهرة، بل يمكن أن يتحقق من خلال الحب والثقة بالله، والأمانة في الأمور الصغيرة، والتسليم الكامل لمشيئة الله.
وقد أعلنها القديس يوحنا بولس الثاني عام 1997 ملفانة في الكنيسة الجامعة، لتصبح من أصغر القديسين عمراً الذين نالوا هذا اللقب، كما كانت الكنيسة قد أعلنتها شفيعة للإرساليات.
– طفولـــة فــي بيت الإيمــان:
وُلدت تريزا مارتان في مدينة ألنسون في فرنسا في 2 كانون الثاني 1873، وكانت الابنة الصغرى للقديسين لويس وزيلي مارتان. نشأت في عائلة مسيحية عميقة الإيمان، وكان والدها ووالدتها مثالاً للحياة المسيحية العائلية، وقد أعلنت الكنيسة قداستهما لاحقاً.
فقدت تريزا والدتها وهي في الرابعة من عمرها، وانتقلت العائلة بعدها إلى مدينة ليزيو. وهناك عاشت طفولتها ومراهقتها، ونمت في قلبها رغبة قوية في تكريس حياتها للمسيح.
وفي عام 1883، تعرضت لمرض شديد، وتروي في سيرتها الذاتية أنها نالت شفاءً عجيباً بشفاعة العذراء مريم، وسمّت هذه النعمة /ابتسامة العذراء/ ثم تقدمت في حياتها الإيمانية، وتناولت قربانها الأول عام 1884، وكان لقاؤها بالمسيح في الإفخارستيا نقطة مضيئة في حياتها الروحية.
– دعـــوة مبكـــرة إلى الكرمـــل:
منذ صغرها، شعرت تريزا بدعوة قوية إلى الحياة المكرسة. وعندما بلغت الخامسة عشرة، قامت برحلة إلى إيطاليا، وفي روما أتيح لها أن تلتقي بالبابا لاوون الثالث عشر، وطلبت منه السماح لها بالدخول إلى الكرمل رغم صغر سنها.
وفي 9 نيسان 1888، دخلت كرمل ليزيو، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، لتكرس حياتها للصلاة والحب والتضحية من أجل الكنيسة والخلاص. وفي 8 أيلول 1890 نذرت نذورها الرهبانية.
اختارت لنفسها اسمًا رهبانيًا بالغ العمق:
(تريزا الطفل يسوع والوجه المقدس)
فكان اسمها يلخص سر دعوتها: التأمل في المسيح الطفل، وفي الوقت نفسه التأمل في وجه المسيح المتألم والمصلوب.
– اكتشاف (الطريق الصغير):
داخل أسوار الكرمل، اكتشفت تريزا ما أصبح يُعرف باسم (الطريق الصغير)
لم تبحث عن البطولات الروحية أو الأعمال العظيمة، بل اكتشفت أن القداسة يمكن أن تنمو من خلال الأمور اليومية البسيطة: ابتسامة، كلمة طيبة، احتمال موقف صعب، خدمة صغيرة، صلاة من أجل الآخرين، أو قبول مشيئة الله بمحبة.
كانت تؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يقدّم لله كل تفاصيل حياته، حتى أصغر أعماله، عندما يقوم بها بمحبة.
ولهذا أصبحت روحانيتها مدرسة في الثقة والاتكال على رحمة الله، لا على قوة الإنسان وقدراته الخاصة. وقد لخّص القديس يوحنا بولس الثاني رسالتها في ما عُرف بـ(الطريق الصغير) أي طريق الإنجيل المعاش بروح الطفولة الروحية.
-في قلب الكنيسة سأكون الحب»
كانت تريزا تتساءل عن دعوتها داخل الكنيسة، إلى أن وجدت جوابها في رسالتها إلى أختها ماري في المخطوط «ب»:
«في قلب الكنيسة، أمي، سأكون الحب.»
بهذه الكلمات اكتشفت أن دعوتها ليست محصورة داخل جدران الكرمل، بل إن الحب يستطيع أن يصل إلى كل أنحاء الكنيسة والعالم.
ولهذا أصبحت، رغم حياتها المخفية في الدير، شفيعة للإرساليات. فهي لم تذهب إلى البلدان البعيدة، لكنها حملت المرسلين والشعوب في قلبها وصلواتها وتضحياتها.
– «قصة نفس»
تركت لنا تريزا كنزاً روحياً ثميناً هو سيرتها الذاتية (قصة نفس)، التي تتكون من ثلاثة مخطوطات كتبتها في السنوات الأخيرة من حياتها.
وقد جُمعت هذه الكتابات ونُشرت بعد وفاتها، وسرعان ما انتشرت في أنحاء العالم وتُرجمت إلى لغات كثيرة. وفيها لا تروي تريزا أحداث حياتها فقط، بل تكشف عن رحلتها الداخلية مع الله، وعن اختبارها للحب والرجاء والثقة وسط الفرح والألم.
– الألم والمرض والإيمان
في السنوات الأخيرة من حياتها، أصيبت تريزا بمرض السل، واشتدت عليها الآلام الجسدية والنفسية. كما دخلت في اختبار عميق للإيمان، عاشت خلاله فترة من الظلمة الروحية والصراع الداخلي.
ومع ذلك، لم تتخلَّ عن ثقتها بالله، بل قدمت آلامها من أجل الكنيسة والنفوس، وحافظت على محبتها ورجائها حتى النهاية. وقد وصف البابا يوحنا بولس الثاني هذه المرحلة بأنها اختبار عميق جعل نور الإنجيل يظهر بصورة أكثر قوة في حياتها.
– (أمطر وروداً)
كانت تريزا تتحدث عن رغبتها في أن تستمر رسالتها بعد الموت، وأن تفعل الخير للنفوس.
ومن هنا ارتبط اسمها بصورة الورود، حتى أصبحت تُعرف بأنها ستنشر (وابلًا من الورود) أي نعم الله والشفاعة والرحمة التي تتمنى أن تصل إلى النفوس.
وقد ارتبط هذا التعبير برسالتها التي أرادت أن تستمر من السماء في الصلاة والعمل من أجل الكنيسة والعالم.
– رحيلها إلى بيت الآب:
في 30 أيلول 1897، أنهت تريزا رحلتها الأرضية وهي في الرابعة والعشرين من عمرها فقط.
وفي لحظاتها الأخيرة، نظرت إلى الصليب الذي كانت تحمله، ورددت:
(إلهي، أحبك)
كانت هذه الكلمات القصيرة تلخّص حياتها كلها: حياة لم تكن تبحث فيها عن شيء سوى أن تحب المسيح وأن تقود الآخرين إلى محبته.
بعد وفاتها، انتشرت رسالتها بسرعة كبيرة في الكنيسة، وأصبحت سيرتها وكتاباتها مصدر تعزية وتشجيع لعدد لا يحصى من المؤمنين.
وفي عام 1925 أعلنها البابا بيوس الحادي عشر قديسة، ثم أعلنها القديس يوحنا بولس الثاني ملفانة في الكنيسة الجامعة عام 1997، تقديرًا لعمق تعليمها الروحي.
من أجمل أقوال القديسة تريزا الطفل يسوع
«في قلب الكنيسة، أمي، سأكون الحب.»
«إنها الثقة وحدها، والثقة التي ينبغي أن تقودنا إلى الحب.»
«بالنسبة لي، الصلاة هي اندفاع القلب، إنها نظرة بسيطة نحو السماء.»
«أريد أن أعلّم النفوس الطريق الصغير.»
«يسوع، فرحي هو أن أحبك.»
«لا أستطيع أن أتكل على نفسي، لكنني أستطيع أن أتكل على الله.»
«سأقضي سمائي في عمل الخير على الأرض.»
«بعد موتي، سأُسقط وابلًا من الورود.»
«إن دعوتي هي الحب.»
«أن تحب يعني أن تعطي كل شيء، وأن تعطي ذاتك أيضًا.»
وتبقى كلماتها الأخيرة من أجمل ما يلخص حياتها كلها:
«إلهي، أحبك.»
– رسالة القديسة تريزا لنا اليوم
في عالم يركض وراء العظمة والشهرة والإنجاز، تأتي القديسة تريزا لتذكّرنا بأن الله ينظر إلى القلب.
ليس المطلوب أن يقوم كل إنسان بأعمال عظيمة، بل أن يقوم بما يستطيع، حيث وضعه الله، بقلب كبير ومحبة صادقة.
فالبيت يمكن أن يصبح مكاناً للقداسة، والعمل يمكن أن يصبح صلاة، والمرض يمكن أن يصبح تقدمة، والابتسامة يمكن أن تصبح رسالة محبة، والصلاة الخفية يمكن أن تحمل ثمراً في حياة إنسان لا نعرفه.
هذا هو طريق تريزا الصغير:
أن نثق بالله كالأطفال، وأن نقبل محبته، وأن نحب إخوتنا، وأن نحول أبسط تفاصيل حياتنا إلى قربان محبة.
/ يا قديسة تريزا الطفل يسوع والوجه المقدس، صلّي لأجلنا، وعلّمينا أن نحب يسوع في الأشياء الصغيرة، وأن نثق برحمته، وأن نحمل في قلوبنا الكنيسة والعالم، وأن نجعل حياتنا كلها صلاة ومحبة. آمين/

See less